مجموعة مؤلفين
343
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
مكانة الفعل « أنزل » في الفقرة : لقد استعمل أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه هذه الوحدة الكبرى الدالة في الخطاب على شكل الايجاب ، فقال : « أنزل الكتاب » ثم تصرّف في هذه الوحدة الكبرى الموجبة ( ) وكأنّها - من جهة شعاع تركيبي موجب ما دام خاليا من أدوات النفي أقول : تصرف فيه ، كرّم اللّه وجهه من جهة ثانية معتبرة شعاعا تقابليا ( ) . ونعلم أن القاعدة اللسانية العربية الجامعة الواجب تطبيقها هنا تحتم على من يقوم بعملية التعويض أن يأتي بالمعوّض به صالحا للانسجام في كل النواحي مع سابقه ولا حقه كما كان المعوّض منسجما من قبل سواء بسواء . وحقّ له أن يفعل وبسهولة وهو الذي كرّم اللّه وجهه لم تعرف المباحث الكلامية إلّا منه ولم تكن عيالا إلّا عليه لأنهّ قدوة فطاحلها وإمام أفاضلها . حق له أن يعوّض تقابليّا اللفظ الكتاب بالكلمة « فرقان » فقال بدأ « أنزل عليه الكتاب » ثمّ جاز له اعتبارا لما سبق أن يقول : أنزل فرقانا . فكانت هذه الوحدة الكبرى الدالة للبلاغ المعجز في نهج البلاغة مكونة ، تعزيزا للحكمة التي يريد أن يبلغها للناس من شقين اثنين وكأنّها ثنائية لسانية كبرى ( ) تحتاج من ربيب الرسول الأكرم وصهره صلى اللّه عليه وسلّم إلى مزيد بيان . فاقتضى النهج الدقيق والبليغ الذي يستعمله ، كرّم اللّه وجهه ان يتبع هذه الثنائية اللسانية بوحدات أخرى كبرى للدلالة لها هي أيضا سيماوات محددة وعامة إنها كلها مركّبة على الشكل الآتي : أ - حال ( للفعل الرئيسي ) « أنزل » - نورا - سراجا - بحرا - منهاجا - شعاعا - تبيانا - شفاء - عزّا - حقّا . بحيث أستطيع أنا الآن أن استخرج من هذه الفقرة الصغيرة المستنبطة من نهج البلاغة في نطاق الرسالة الإلهية الخالدة . وحدات صغرى كلها آيات من آيات اللّه الخالدة . فأقول . أنزل الكتاب نورا - أنزل الكتاب سراجا أنزل